حوار مع السينمائي ورائد الأعمال الاجتماعية طلال عفيفي

0 917

متى بدأت فكرة سودان فلم فاكتوري (Sudan Film Factory)
جذور فكرة وصناعة السينما السودانية تعود إلى مواقيت باكرة في المنتصف الأول من القرن الماضي، ربما مع بدايات عمل الرواد الأوائل، السادة كمال محمد إبراهيم جاد الله جبارة والخير هاشم، والجيل التالي لهم على تحقيق أعمالهم وإبتدار خطوط إنتاجهم، بالموازاة مع التصوير الميداني والتحقيقات والإعلانات الإخبارية التي وسمت تلك الحقبة من خمسينيات وستينيات ذلك القرن.

ماهو المحرك الأساسي والدافع الرئيسي وراء التزام طلال عفيفي بتحقيق فكرة مشروع يرفد صناعة السينما السودانية بمختلف الكوادر المتخصصة اللازمة للنهوض بهذه الصناعة وإعادتها إلى مكانها الطبيعي في خارطة التاريخ السوداني المعاصر ومستقبله؟
ربما كان المحرك الأساسي في البداية رفيق التطلع والشغف، الغيرة ممن حولنا، والإحساس بالفقد، ولا أنكر بوجود االرغبة في “التجريب” كـ محرك ودافع أساسي؛
إلا أن الامر لم يقف عند تلك الحدود، إذ لم تعد العناصر المذكورة تقف وحدها دون النظر إلى ما أود أن أسميه إخلاصي المهني والرؤية التي تتجدد عندي بشكل عملي.

\ لكل اسم قصة فما هي قصة؟ Sudan Film Factory
فكرنا في إسماء كثيرة، مع أصدقاء وزملاء، كلمة “السودان” كانت تلح علي، لكن الكلمة المفتاحية “فاكتوري” جاءت نتيجة الرغبة في أن يكون هناك “خط إنتاج” يبدأ من عملية التعلم والمعرفة النظرية ويمر بالتدرب والعمل وينتهي بـ “منتج” هو الفلم في إحدى صوره، وهو تعزيز المناخ العام الحاضن للمنتج في صور أخرى متنوعة.

وما هو المقابل العربي للمؤسسة؟
لم نفكر في ذلك، البعض يترجمونها لـ “مصنع السودان للأفلام” وآخرون “محترف السودان للأفلام”- وتفضيلنا للأخيرة أعلى، وإن كنت أفضل، وكذا رؤية المؤسسة- أن يكون الإسم بكل اللغات منطوقاً بـ سودان فلم فاكتوري.

ماهي الثقافة السائدة في دار صناعة السينما وكيف نجحتم في التأسيس لها؟
الحوار المستمر والإنفتاح على التجارب، التعاون والإصرار على وضع الرؤى محل الإختبار، قد تكون هي علامات الثقافة السائدة في العمل الداخلي لـ سودان فلم فاكتوري..
لو كان هناك نجاح ملحوظ فلا بد أنّه ثمرة لدراسة التجارب، التخطيط، والتعامل مع أهداف موضوعية.

ماهي اصعب التحديات التي واجهتكم في السابق، وكيف تغلبتم عليها؟
– التمويل، مع غياب الغطاء المالي الواضح والمستقر لأنشطتنا
– التقبل، حيث نواجه أزمات إجتماعية وثقافية وقانونية، نحاول التعامل معها بصبر وأريحية ومناورة قدر الممكن
– المعرفة، حيث أننا وإن كنا نعمل في سياق “غير تراكمي” ومفتقد لأبجديات التعليم والإطلاع والتبادل المعرفي بين الأجيال وبيننا وبين العالم من حولنا، لكل ما يكتنف نوع عملنا، إلا أنن نكافح هذه الأمور بالتقدم الوئيد عبر البحث عن بدائل وصيغ جديدة للتعلم وتطويره بعون الكثير من الافراد والمؤسسات وما تلمسه أصابعنا من كفوف ممتدة للخروج من الدوامة اللئيمة.

في كل مشروع هنالك أشجار تنبت وحدها وتثمر فما هي الثمار غير المباشرة للمشروع؟ وهل صارت ضمن الخطة العامة أم ظلت في مكانها على الهامش؟ ” الآثار الجانبية الجميلة لتأسيس وأنشطة سودان فيلم فاكتوري”
في إعتقادي أن سودان فلم فاكتوري فلحت الأرض، وحرثتها، لو تتبعنا “المنطق الزراعي” في الإجابة على السؤال، فلابد أننا جميعاً نسمع “الضجة” المثارة اليوم حول العمل السينمائي بالسودان، أهميته و وجوب تفعيله، بالإضافة إلى توافد و ظهور عدد كبير من الفاعلين الأفراد في هذا المجال من مصورين وفنيي مونتاج وصوت وإضاءة، وبداية ظهور سوق للعمل يتنامى كل يوم.
كذا كان إنتباه الموزعين ومبرمجي المهرجانات وإلتفاتهم للنذر الذي أصبح موجوداً من الأفلام السودانية أمراً واقعاً.
تكون عدة شبكات في أشكال مجموعات وفرق عمل وبعض ريادات الأعمال التي إقتبست صورة ومنهج سودان فلم فاكتوري، من الثمار التي نعتد بها، ويسعدنا انها تنمو مستقلة عن مظلتنا الإدارية.

ماهي آثار سودان فيلم فاكتوري الملموسة على صناعة السينما في السودان حتى الآن؟
سودان فلم فاكتوري فتحت أبواب النقاش حول المفاهيم والعمل، حفزت العديد من المبادرات، قدمت للمجتمع السينمائي عدداً مقدراً من صناع الأفلام، دربتهم وروجت لهم وساعدتهم في تنمية معارفهم وقدراتهم داخل وخارج السودان، بالتدريب والدراسة والإنتاج.
مهرجان السودان للسينما المستقلة الذي تنظمه سودان فلم فاكتوري هو اليوم أهم ملتقى سينمائي في السودان، وإقليمياً له دور بارز جداً في كونه محطة للتبادل والتعارف وتوزيع أهم الإنتاجات السينمائية وتقديمها للمشاهدين.

وجود مجموعة من الأفلام المتميزة اليوم على الخارطة، ومجموعة مؤهلة من صناع الأفلام وإحياء مجالات العمل هي بلا شك آثار ملموسة يصعب إنكارها.

كيف اثرت دار صناعة السينما على حياتكم الشخصية؟
ربما لا أود الإجابة على أسئلة شخصية في سياق عام.
لكن لو كان السؤال في معرض الشفافية، فأرجو السماح لي بالقول، أن حياتي الشخصية (الخاصة) تأثرت جداً.
إيجابياً، لا أنكر- بل يجب الإشارة لما أضافته خدمتي لـ سودان فلم فاكتوري لي، من معرفة، وقدرات عملية ونفسية و روحية، مع كل المشاعر القوية والمغذية التي تجتاحني عند كل نجاح.

سلباً، فقدت وقتاً عزيزاً ولا زلت، كان بإمكاني أن أرتبه في علاقتي مع أسرتي الصغيرة وأهلي، وفي الإنضمام أكثر للمجتمع في ملماته المختلفة من حزن وفرح.
كذلك لا أخالني أفكر في حياتي الشخصية دون إحساس بالذنب تجاه حبي للكتابة والقراءة، وحتى فقداني فرصتي لإنتاج أعمالي السينمائية الخاصة التي ظلت قيد الورق، لعنايتي بالمشروع العام.
لقد فقدت الكثير من ملامحي وإماكنيات التطور المتنوع لإنغماسي الشديد في هذا المشروع.

ماهي أكبر مخاوفكم؟ وأروع أحلامكم في سودان فيلم فاكتوري
ليس لدينا مخاوف بالمعنى العام للكلمة، فهذا مشروعنا، ونثق في قدراتنا بشكل كبير، أحياناً نتعرض لما يشبه الإختناق، لكنا دائماً ما ننجح في إستعادة قدرتنا على التنفس ومواصلة العبور..
نتعامل مع أحلامنا كبناتنا وأبنائنا، ليس هناك تفضيل، نتعامل مع أحلامنا الصغيرة والكبيرة بذات الإهتمام والإقتراب والحنان، لكن ثمة حلم كبير أن يكون لصناعة السينما مساهمة في الإقتصاد الوطني والتنوير الإجتماعي والقدرة على عكس الروح الفنية والفكرية عند صانعيها.

ماهو تعريفكم للنجاح؟
في مثل مجتمعنا الحالي، قد يكون النجاح هو تبني أكبر عدد من الناس لوجهة نظرك، أو قيام البعض بتقليد ما تفعل بالمسطرة (!)
وأحياناً يكون الهجوم الشرس الفقير من العاطلين عن الفكر والإنتاج والعمل مؤشراً للنجاح..
دي مؤشرات عامة، لكن نظري الخاص للنجاح هو تحقق الرؤية، بعد مزاولة التخطيط والعمل، وأن يصبح بين يدينا أشياء ملموسة نستطيع التحدث عنها، أن يتغير فكر الناس، أن يكون هناك مستجدات وتحديات جديدة، أن يستطيع المشروع موافقة الأرقام والأحلام.
النجاح عندي أن نكون ملهمين!

ماهي مفاتيح نجاح صانع السينما في نظرك ومن واقع تجربتك؟

الإتساق أولاً، الصبر، تعزيز المعرفة بالفنون والحياة، التخطيط، والرؤية

لا استطيع في ختام هذا اللقاء الذي ركّز بشكل اساسي على مؤسسة سودان فيلم فاكتوري ودورها وقصتها التي تشبه إلى حد كبير قصة مؤسس تلك الدار الصرح، لا استطيع إلا أن أذكر الجوانب الأخرى العجيبة في شخصية الأستاذ الفنان الثائر الناشط الإنساني الكوني طلال عفيفي، الذي يراوح على مدى الزمان بين وجدان الفنان المرهف والمقاتل المغوار على جبهات المعارك الكبرى والصغرى لتحقيق الخير والجمال والرفاه لإنسان هذا العالم. ولا يتعجب اصدقائه وزملائه ورفقاء دروبه العديدة كتاباته الموسوعية الموغلة في الحنين والتوق والوجد والمحبة وهو يكاد لا ينسى شخصاً ولا مناسبة في الشأن الإنساني، أو البيئي أو السياسي أو الثوري، أو الفني..وكل ذلك يلتقي عنده في قوس من الإبداع راقٍ..تحياتي له ولكم..وشكري الجزيل على هذه الفرصة الرائعة..وأكيد لنا عودة فمثله لا يحيط به حوار واحد ..

Leave A Reply