التحولات الحديثة لدور ي الرجل والمرأة في المجتمع

نموذج لأحد أعمالي في خمسات

0 686

الفكرة التقليدية التي ما زالت في عقلية كل منا على الأقل في الجيل المولود في السبعينات أن الرجل هو من يقوم بالأمور الشاقة ويؤدي المهام الصعبة والخطيرة، ويضطلع بشكل عام بالعمل الذي يتطلب الخروج من المنزل، بينما تعتني الأم بالمنزل والمهام التي تتعلق به وبساكنيه من أطفال وكبار بما في ذلك زوجها وأهله أو أهلها.
لكن في الفترة الأخيرة اختلطت الأمور بشكل كبير، خاصة فيما يتعلق بالمهام التي أصبحت من صميم عمل المرأة وترتبط بها ارتباطاً كبيراً، فبعد أن كانت المهام المنزلية وأعمال الطبخ ونظافة المنزل ورعاية الأبناء والحمل والولادة والإرضاع من أهم أولوياتها أصبحت تقوم الآن بجزء كبير من الأعمال خارج المنزل، مثل التسوق وأخذ الأطفال للمدارس أو العلاج مع الرعاية التعليمية والعلاجية وكذلك كسب العيش أيضاً في حالات المرأة المعيلة بشكل خاص وفي معظم السياقات الاجتماعية الأخرى.
عمل المرأة راحة أم تعب؟
لقد نوقشت مسألة عمل المرأة من عدة وجهات نظر، فمن جانب يوفر لها العمل قدراً من الاستقلال الاقتصادي، والحرية المالية، والمقدرة على توفير متطلبات الحياة الكريمة في حال غياب الزوج/الأب أو افتقاره للتأهيل المناسب. كما أن الوظيفة كانت ذات أثر كبير على جودة الخدمات التي تقدمها في المنزل. فالعمل يكسبها مهارات مختلفة تنسحب بدورها على قدراتها العقلية ومهاراتها الاجتماعية والتربوية، وتفتح أمامها آفاقاً جديدة تنير لها دروباً أفضل للتعامل مع أبناءها وأسرتها، ومجتمعها بما فيه فائدة الجميع بلا شك. ولكنه أيضاً يتطلب منها قدراً لا يستهان به من التركيز والوقت بعيداً عن مملكتها الخاصة التي كانت جلّ احلامها في الصغر والتي تفرضها عليها الأعراف والتقاليد والعادات.
وهذا يعني أن تتراكم عليها المهام فتصل المنزل بعد ساعات العمل الطويلة والإجهاد العقلي و/أو البدني الذي تتفاوت درجاته بحسب نوع العمل، لتنصب على مهام رعاية الأسرة وتقديم واجبها تجاه الأبناء والزوج وتعهد المنزل والإشراف على الخدم إن كانت ممن تستعين بهم وما أكثر من يستعنّ بهم هذه الأيام.
وربما لم يكن لها زوج فتقوم بالأمور الأخرى التي كان يضطلع بها هو، من صيانة للمنزل أو استجلاب من يقومون بذلك والاهتمام بالمتابعة فيما يخص تلك الأعمال أو غيرها مما كان سيقوم به زوجها. وربما كانت ترعى أباها وأمها في غياب الأبناء وقد تضحي المرأة بالزواج وبحياتها الشخصية في سبيل رعاية والديها وإخوتها حال غياب الوالدين.
لقد حبيت المرأة بطبيعة حنونة وغاية في المسؤولية بشكل عام، فهي في كل مكان تتواجد فيه تهتم بأدق التفاصيل وتقوم بمختلف المهام بغض النظر عن طبيعتها ومدى مناسبتها لقوة المرأة أو قدراتها.
المساواة مع الرجل أم تحمل مسؤولياته؟
لقد جنى دعاة المساواة مع الرجل كثيراً على النساء وربما جنت النساء على أنفسهن بالانسياق وراء هذه الدعاوى الكاذبة الظالمة، فالمساواة هي المساواة الفطرية في تقسيم وتوزيع الأدوار حسب القدرات والطباع والقوى. لكنهم ما فعلوا سوى أنّ أضافوا إليها المزيد من المهام التي لا تتناسب إطلاقاً مع نمط حياتها ولا مسؤولياتها، والتي ستظل تقصر عن أداءها ما دامت تضطلع بدورها الرئيسي كإمرأة تعتني بالأسرة وتحمل الأجنة وتلد وترضع وترعى الأطفال. فالرجل لن يحمل عنها قط هذه الأدوار الطبيعية، بينما تقوم هي بالعمل نيابة عنه وكسب العيش بالإضافة إلى ما تفرضه عليها الطبيعة من مسئولية تجاه النوع الإنساني والمجتمع الذي تعيش فيه.

إنكماش دور الرجل
بالطبع مع قيام المرأة بكل تلك المهام كان لابدّ أن يتقلص تقلص دور الأبّ أو الزوج أو الأخ كثيراً فهي تريحهم من هم كثير من الأمور وكذلك من تكبد عناء أدائها. فتحول دور الأب إلى آخر أقل بكثير، ربما يتمثل فقط في المساهمة الجزئية في ميزانية الأسرة –فهي تعمل وتكسب ايضاً وتسهم بجزء مقدر- ولا شيء غير ذلك في أغلب الأحوال. بل يلقي عليها أعباءه الخاصة من ترتيب فراشه ورعاية أطفاله ومراجعة دروسهم وممارضتهم والترفيه عنهم والطبخ لهم وغسل وكي ملابسهم ….الخ من الأعمال المنزلية التي لا تنتهي.
تخفيف الأعباء عن الرجل عن طريق تحمل أجزاء من مسؤولياته قد يؤدي بدوره إلى كسل الرجل وخموله أو تفرغه لإنجاز مهام أكبر على الصعيد الشخصي أو الأسري أو المهني أو الاجتماعي. مثل الأدوار القيادية والخدمة المجتمعية الاستثنائية كالأطباء الذين يعملون ليلاً أو الجنود أو من تتطلب مهنهم البقاء خارج المنزل لساعات طويلة تاركين مهمة التربية بكاملها للأم، بالإضافة إلى الأعمال المنزلية والمهام المتعلقة برعاية الأسرة والتسوق والاهتمام بالمرضى وما إلى ذلك.

ولكنه ما زال يتمسك بدور الآمر الناهي في أغلب الأحوال، وفي كثير من الأحيان تأتي أوامره ونواهيه في غير مصلحة المرأة وتفرض عليها المزيد من الضيق والعنت والمسؤوليات. ولكن في أحيان أخرى خاصة عند غيابه تتضطلع المرأة بدور كبير في التخطيط للأسرة وإدارة امورها وشؤونها المالية والاجتماعية وبكثير من الحكمة والحب والعاطفة ووضع مصلحة الفرد المعني في قائمة الأولويات حتى وإن جاء ذلك على حساب راحتها ومصلحتها الشخصية، فهي دائماً ما تتمتع بحس عال من نكران الذات والإيثار والتضحية.

القدوة الضائعة
المعضلة الحقيقية في التحولات التي لحقت بالدور الطبيعي والاجتماعي للمرأة كأم وزوجة تكمن بشكل رئيسي في القدوة والنموذج المتوفر الآن أمام الأجيال الجديدة. فترى الفتاة الأم تضطلع بأدوار كثيرة تجعلها قد ترغب في تغيير الجنس هرباً من كثرة المسؤوليات والعجز عن العيش من أجل نفسها ولو لوقت قليل كل يوم. وطبعاً هذا ليس بالحال الوحيد فهنالك أمهات استطعن التوفيق بين أعمالهن ومسؤولياتهن المنزلية والاستمتاع بحياتهن كنساء يمارسن هوايات مفيدة وممتعة ويتسلين بقضاء أوقات لطيفة مع بعضهن أو مع أسرهن. ولكن السواد الأعظم من الطبقة العاملة يعيش في دوامة ويجد نفسه مثل ثور الساقية يدور من الصباح إلى المساء دون فائدة تذكر ودون أن يقضي حتى كل ما على قائمته من مهام يومية.

هذه المسألة مثل غيرها من مشاكل العصر أخذت ما يكفي من الوقت حتى الآن لتعود مرة أخرى إلى خانة التمحيص والتقييم، فبعد أن تسابق الناس في اقتناء التكنولوجيا ومنتجات الثورة الصناعية نجدهم الآن يعودون أدراجهم بحثاً عن كل ما هو طبيعي ونقي ويدوي وبشري، لقد انقضى عهد الآلة، وكذلك سينقضي عهد المساواة الزائفة، فتعود المرأة لتعمل من بيتها ثم يعود الزوج ليضطلع بمسؤولياته التي هيأه الله للقيام بها من جديد. وحتى ذلك الوقت، لنا أن نستقي ما شاء الله لنا من دروس ونضعها في خدمة البشرية من جديد..

Leave A Reply